طاهر سليمان حموده
234
جلال الدين السيوطي ( عصره وحياته وآثاره وجهوده في الدرس اللغوي )
بالكوفة وحماد بن سلمة بالبصرة وهشيم بواسط وغيرهم ، ثم تلاهم كثيرون ممن نسج على منوالهم ، ثم صنف بعض الأئمة المسانيد كمسند أسد بن موسى الأموي ( 212 ه ) ، ومسند نعيم بن حماد الخزاعي ( 228 ه ) ، ثم بعد فترة ظهر مسند الإمام أحمد بن حنبل ( 341 ه ) ، وتلا هذه الطبقة طبقة أصحاب الكتب الستة « 1 » . وإذا كانت العناية قد اتجهت إلى جمع الأحاديث وتدوينها فإن طريق ذلك كان الرواية الشفوية التي اعتمد عليها الحديث فترة من الزمن ، ثم كان أصحاب الكتب يعتمدون أيضا على الرواية الشفوية ويهتمون بالنقل عن حفاظ الحديث ونقلته بعد التدوين وقد استدعى ذلك البحث عن الوسائل التي تضمن سلامة وصول الأحاديث إليهم . وقد عرف عن الصحابة تشددهم وتحرجهم في رواية الحديث ، كما عرف عن بعضهم نقدهم لبعض الروايات ، فلما حدثت الفتنة وظهر أهل الأهواء الذين لم يؤمن كذبهم في الحديث ، ثم ظهر القصاص وأصحاب الأخبار بعد ذلك يحدثون الناس بأحاديث عن الكتب السابقة تفيض بالكذب والأساطير ، كما ظهر التزيد عند بعض الرواة ، أصبحت الحاجة ماسة إلى الاهتمام بنقد رواية الحديث ، وقد اتجه هذا النقد في غالبه إلى الأسانيد ويتمثل في بحث الرواة جرحا وتعديلا وما يستتبعه من بحث أحوالهم ، والبحث في الأسانيد لمعرفة عللها واتصالها أو انقطاعها ، ومن هنا كانت بداية ظهور علم أصول الحديث الذي عرف عند المتأخرين بعلم مصطلح الحديث . ولكي نعطي صورة مجملة عن تدرج مصطلح الحديث حتى وصل إلى ما وصل إليه عند المتأخرين نذكر أن الاهتمام بهذا العلم كما بينا كانت له جذوره الموغلة في القدم ، وقد تكلم في الجرح والتعديل كثير من العلماء منذ وقت مبكر ، وكان منهج الرواية في ذلك الحين عرفا بين المحدثين . ويبدو أن ابن شهاب الزهري ، وشعبة بن الحجاج ( 160 ه ) قد صنفا في
--> ( 1 ) السيوطي : تنوير الحوالك شرح موطأ مالك ج 1 ص 5 ، 6 .